واغش لمدينة      صورة و حديث      صورة قسم      جهوي      روابط إخبارية      روابط ثقافية      حوار      مُثير      تاريخ و جغرافيا      فيلم - مسلسل      صورة رياضية      وثائقي      إبداعات      تعزيات      مقالات رأي      عبدالله حدّاد  كـل المقـالات
إبداعات

الحسين و الفاكانسية/ قصة شاب من أحفير | الحصيرة كاملة
- بـقـلم باحفير
- إقـرأ لنفس الكـاتب


06 08 2019 - 16:53


 

حصيرة 1


* تنبيه: - هذه القصة و أبطالها واقعية في معاني أحداثها , وأي تطابق في الواقع لبعض منها مع عشرات الحالات فهو من محض الصدفة. (الكاتب)

الحسين شاب حاصل على اجازة في الأدب العربي , دراسته علمته أخلاق شعراء الجاهلية , علمته الشهامة والوفاء , علمته أن ينظم قصائد عنترة مرة أخرى , لكن على بحر واقعه وسلوكه , لم ينظم ولو بيتا واحدا , لكنه يحفظ الاف القصائد , يحفظها ويحفظ معها معانيها , معانيها التي أدخلت شخصية الحسين في تناقض , شخصية ما يحفظ ويعرف , و شخصية ما يحاول به التعايش مع من يحيطون به شكل الحسين يوحي بأن الرجل تجازوته الموضة , لكنه لا يشعر بأي حرج , فهو يعيش بدون مرآة , ولا يرى وجهه وشكل شعره الا عندما يجلس عند الحلاق , الحسين من عادته أن يطلب من الحلاق قص شعره بشكل قصر جدا , ولا ينتبه بعد ذلك الى ما يفعله الحلاق , لكنه يفتح عينيه جيدا عندما يبدأ الحلاق في تهذيب شواربه , فصديقنا يحرص على شواربه حرصا شديدا , حافظ على شواربه منذ أول يوم ذهب فيه لوجدة و الى جامعة محمد الأول.

الحسين جالس الرفاق والاخوان , استمع للعدل والاحسان والنواسيس , صاحب مناضلي النهج و دخل مسجد الحي الجامعي , مر مسيرة مؤيدة لفلسطين سار معها , خرجت مظاهرة للعدوان على العراق فكان في أول صفوفها , لكنه بعد أن حذفت ادارة الحي الجامعي * المونادا * من وجبة غذاء يوم الخميس , التفت الى كل الفصائل فلم يجد واحدا قادرا عن الدفاع عن مطلبه كطالب , حاول التدخل في كل الحلقيات حول هذا الموضوع , فاتهموه بأنه خبزي , أجاب الحسين بأنه * مونادي * .
اعتزل الحسين تلك الفرق كلها , فمن يسب الصهيونية والامبرالية هو أولا نقابة طلابية , ومن عجز عن رد مشروب غازي لوجبة الطلبة , هو غير قادر حتى على اختيار موضوعات الوقفات و أرضيات النضال , بل الجميع امتداد لتوجهاتهم خارج الحرم الجامعي.

لم يسأل عن غيابه أحد , لأنه لم يتلزم مع أي فصيل , لكنه ظل يشتري كل أدبيات الفصائل , وعندما *ياكلو لسانو * ويرى بأن أحدهم تجنى على أي مرجع أو مؤلف , يتدخل الحسين لوجه المعلومة فقط , لقد تعلم الحسين من فصائل اليسار العقلانية و التحليل , و تعلم من الاخوان أناشيد الأعراس ولو في الحي الجامعي , فقد كان يشتري بعض الاشرطة المعنونة ب * مناظرة أحمد ديدات* ليجد بالداخل * و ليلة الأفراح , وليلة السرور , والحسين عريسنا الله الله الله *

خلقت كل هذه الأمور وغيرها شخصية جد عادية عند الحسين , يحافظ على كل صلواته , لكن لا يثق في * صحاب لحايا * , لم يقنعوه يوما بخطابهم ولا بشعاراتهم , حافظ الحسين على كل العلاقات ومع الجميع, لم يتغير الحسين , بل هم من تغيروا , لقد بدأو باتهامه بأنه عميل مندس * يشكم للادارة * , فاستغرب الحسين عن اي أمر يستحق أن يبلغه للادارة حتى ولو أراد فعل ذلك يوما ما.

الحسين تجاوز كل هذه التفاصيل واصحابها , واكتفى بالاهتمام بدروسه ومحاضراته , فهذه السنة سيقوم ببحثه لنيل شهادة الاجازة , لم يفكر يوما لما بعدها , بل للحسين خطوات بطيئة , و رأسه اصبح يستوعب الأفكار و المقرر بصعوبة شديدة, لهذا قرر اقتصاد مجهوداته لنيل الاجازة.
اختفى الحسين بين دفاتره وكتبه , صار لا يغادر غرفته البئيسة بالحي الجامعي الا للتوجه الى المطعم الاشد بؤسا , كان يبتلع وجبات * الريستو * مرغما كالدواء , فلم يتبقى من المنحة الا نصفها وهو في الأيام الأخيرة ما عليه سوى الصبر و المكابدة , لم تكن عائلته تعينه الا ببعض الخضراوات و خبزتان عند كل زيارة لأحفير , ومن شدة ما يمر به انقطع عن زيارة أحفير , و توقف عن شراء أي شئ لا يراه مهما . لقد اشتاق الحسين الى المدينة القديمة بوجدة , اشتاق الى مقهى * البدوي * التي يذوب في حب مجالسة أهلها, لقد اشتاق حتى الى * كران * وزيارة * عمي المراكشي * صاحب محل بيع الكتب القديمة.

كانت عائلة الحسين مكونة من تسعة أفراد , خمس أخوات لم تتزوج منهن الا واحدة , والأخ الصغير يعمل نادلا في أحد المقاهي اسمه جمال شاب أعزب. كان أبوه * عمي علي * يعمل في أحد الضيعات الفلاحية بسهول تريفة * صوجيطا * ,لم يتبقى له من معاش التقاعد الا ما يكفي لسد رمق العائلة , من حسن حظ العائلة أن الأم لها أخ وحيد مات لترث منه منزلا سيستقرون فيه , كان المنزل مهترئا تتساقط جدرانه , الا أنه كان سقفا يحفظ شرف العائلة, لقد كان * عمي علي* عزيز النفس , عالي الهمة , لا ترى عليه اثر الفقر و لا تسمع منه شكوى , يمر فلا تسمع منه الا * السلام عليكم * , لقد اعتاد * عمي علي* النوم باكرا , ولا تراه في أفراح الجيران ولا في سهراتهم , فالنوم الباكر ورثه من عمله الذي كان يبدأ مع الفجر ليعود في المساء حين تغرب الشمس منهكا يسوق دراجته النارية , واضعا بعض الأعشاب و الخضراوات في الصندوق الخلفي, * عمي علي * كان له بعض الخرفان و الأرانب بمنزله , وكانت مصدرا يستعين به على نوائب الدهر.

كان * عمي علي * يستريح يوم الجمعة والسبت , تراه كل جمعة بلباس أبيض يوزع التحايا على الجيران , ومن كرمه كان يقتسم معهم بعض ما يجلب من * صوجيطا * , سيما في موسم البرتقال أو بعض من * ربطات ديال الخبيز * , لقد كان * عمي علي * ينظر دائما لمن هو أفقر منه.
جمال أخ الحسين * بودعاوي* , كان يستيقظ ظهرا ليتوجه الى محل عمله , وعندما ينتهي ليلا لا أحد يعرف مكان اختفائه , كان بعض الجيران الجدد يظنون بأن للعائلة ولد واحد وهو الحسين , جمال يتوقف كل يوم في مقهى * التيرسي* , يجلس هناك ليعرف النتائج ثم يلعب من جديد , لقد ربح جمال يوما خمسة ملايين , ولم يتبقى له منها سوى بعض الملابس الأنيقة التي يستعملها في عمله , كان عمله بعيدا عن المنزل , كانت المقهى * في السوق جديد * , ولا يراه الا من يرتاد تلك المقاهي الشعبية, كانت تلك المقاهي مرتعا لبائعي المخذرات ومستعمليها , كما كانت ملاذا للعمال الذين يشتغلون بالفلاحة , ومن كثرة معاملة جمال لهم , اكتسب لغة وتصرفات لا علاقة لها بأحفير والحي الذي يقطن فيه , الا أن أجمل ما في جمال هدوءه و كرمه كل ما توقف الحسين عنده.
لقد كان جمال يعطي للحسين كل مل تبقى في جيبه , لقد كان جمال يظن بأن الحسين * القاري ديال الدار * سيتوظف يوما ويساعد الاسرة.
انتهت الدراسة بالجامعة , وحصل الحسين على ...
../..
_________________________________________________

حصيرة 2


انتهت الدراسة بالجامعة , وحصل الحسين على الاجازة , فرح الجميع , واستدعت أمه * لفقارات * وذبحت لهن شاة , واستدعت الجيران والعائلة.
اجتاز الحسين كل مباريات التوظيف , أعطى نسخا من الطلبات لكل من يرى فيه انه قادر على مساعدته, اتصلت أمه بأحد الاقارب يعمل في الرباط من أجل أن يتدخل لجمال ومع مرور الوقت تأكد لجمال بأن لا مصير له الا الانضمام لجيوش العاطلين.
انضم الحسين لجمعية المعطلين , ناضل بصدق وشجاعة , لكنه انسحب بعد أن رأى بأن بعض المناضلين اصبحوا مجرد سلالام لبعض الممثلين في البلدية أو البرلمان , انسحب الحسين بعد أن رأى بأن النضال يجب أن يكون مرفوقا بالرشوة , فقد خاب ظنه حين رأى بعض رفاقه في النضال موظفون في البلدية وعمالة بركان , ولم تكن وظيفتهم الا سلعة أدوا ثمنها , فالوظيفة على حساب ما تملك عائلتك ومن تعرف و لا مكان للكفاءة الا في الشعارات الانتخابية البالية.

انتهى الأمر بالحسين الى واقع مرير , حاول جمال أن يتأقلم ومعه وينخرط في تفاصيله بكل ما لها وعليها.
كان يوم الحسين يبدأ بحسرة يومية للأم على حال ولدها, يتناول فطوره مع تأوهات الأم, يلتفت فيرى أخواته فتزيد حسرته.
كان الحسين يغادر المنزل في الصباح ولا يعود اليه الى في المساء حين يكون الأب نائما, كان الأب متفهما ولا يحرج الحسين باي كلمة.
كانت الأم هي الوحيدة التي تذوب كل يوم مرات ومرات ومرات , حاولت يوما اقناعه بعمل أي شيء, لم يكن يهم الأم سوى أن لا يضيع الحسين منها حسرة وألما.

كان الحسين يستقبل كلام أمه يوميا بكل روح رياضية ,فهو يعرف المعطيات والتفاصيل , وكان لا يجيب الا ب * ان شاء الله * , كان الحسين يحاول كل مرة أن يجد كذبة يبيعها لأمه , عسى أن يزرع فيها أملا وتعود البسمة الى شفاهها , فقد غادرت البسمة مع حال الحسين , وغادر المرح والفرح منذ أن تأكدت بأن لا حول لها ولا قوة لمساعدة الحسين.
يوم الحسين كان يبدأ من الحي . يجالس اصحاب المحلات ويسمع لغيبتهم ونميمتهم , لا يحاول أن يصحح ولا وقت له لذلك , فهو سيغادر الحي بمجرد أن يسمع صوت دراجة ابيه , فالصوت متميز لتلك الدراجة القديمة , و لم يستطع اباه تغييرها أو حتى استبدال * الشاطمة * المثقوبة , ربما مصائب * شاطمة *عند الحسين فوائد , فقد كانت جرس يعلن بقدوم الوالد , وما عليه الا المغادرة , حياءا من رؤية الوالد , ورحمة به كذلك , * فعمي علي * يحمر وجهه عند رؤية ابنه , كان الأب يخجل من ابنه, *عمي علي* رجل قد من معدن نادر , وأخلاقه اثرت في الحسين ايما تأثر.
بعد أن يغادر الحسين الحي يتجه الى مكان عمل أخيه جمال , كان المحيط وزبناء جمال مغاير تماما لما يعرفه الحسين , الا أن الأمر كان يساعد الحسين في الانخراط في عمل أخيه , فبمجرد دخوله المقهى يبدأ في مساعدة أخيه , يكنس المقهى , ينظف الأواني , يخدم الزبناء , ترتجف يداه عندما يوصل قهوة أو شاي لأحدهم , وتزيد في الارتجاف وتنضم رجلاه ايضا حين يرى أحد من يعرفهم يدخل تلك المقهى النائية.

كان الحسين يتحاشى ملاقاة المعارف , يتحاشى اسئلتهم المتكررة , لا يريد أن يكون موضوعا لشفقتهم, لا يقبل مجالسة كل من اشتم فيه رائحة الاسئلة والعطف الذي لا فائدة منه الا التشفي كما كان يفهمه الحسين, نفسية الحسين اهتزت واصبح حساس جدا , واي موضوع يقترب من حاله يدفع الحسين لمغادرة المكان فورا.
حوال جمال أن يقنعه بأن الواقع كما هو ما على الحسين سوى الانسجام فيه , وفي كل مرة كان الحسين يقع في مشادة مع أحد الزبناء , يتدخل جمال ليقف لجنب أخيه , ولا يقول للحسين اي كلمة حين يختلي به , كلمة واحدة فقط * ما ديرش على هاذ القوم راهم غي هوي زبل * , وانتهى الأمر
عندما ينتهي الحسين من زيارة أخيه وأخذ ما قسم الله له , يتجه مباشرة الى مقهى * القدس * , يسلك الحسين الدروب الخالية تفاديا لبعض الاشخاص , لا يريد أن يلتقي ببعضهم ولا يريد أن يكلمهم , فرغم سنوات الدراسة والصداقة لم ينتبه اليه أحد , لا ينتظر من شيئا , هم من تغيروا , أما هو ما زال في صباغته الأولى رغم النفسية المهزومة و الشخصية الحساسة التي اعتلته رغما عنه , لقد اكتسب كل سلبية من تصرفات الناس تجاهه , وبذلك يحاول أن يساعدهم في الابتعاد عنه و تركه لحاله ووضعه
يدخل الحسين للمقهى وأول ما يقوم به البحث عن صديق الطفولة , فان لم يجده يجلس أمام التلفاز الذي كان في الخلف ليشاهد أي شيء , مع شم رائحة البغال والحمير التي تدخل من تلك النافذة الصغيرة المتواجدة في نهاية المقهى بين مقهى القدس و *كوري ديال المهدي*.
صديق جمعته به سنوات الدراسة الطويلة , انه * رشيد * فرغم أن الحسين تابع دراسته الجامعية , لم ينسى رشيد الذي لم يحصل على الباكلوريا , كبر الحسين في عين رشيد ودامت صداقتهما البريئة والتي لا محدد مادي لها ولا مصالح.

يقترب الحسين من طاولة رشيد , فيلقي التحية على الجميع , لا يرد التحية سوى رشيد , لأن الاخرون منهمكون في لعب *الكارطة*, يغتاظ الحسين من الاخرون , ينظر رشيد في عينيه فيقرأ ما به ويطلب منه الجلوس *جمع أصاحبي راه باقي غي واحد الطرح وكولو يجيبلك واشتا تشرب راها حاكمة اليوم*, يجلس الحسين و بعد مدة قصيرة ينخرط في الجو العام ويفهم بأن الجميع لم يمنعهم من السلام سوى *الترقاد*, فيبدأ بمتابعة اللعبة وارتشاف قهوته.

بعد مرور ايام معدودة , صار الحسين جزءا من الطاولة , صار يشاركهم اللعبة , بل اصبح بارعا فيها, ووجد فيها متنفسا في أوقات فراغه , صار أخوه جمال يبحث عنه فلا يجده , الى أن بلغ الى علمه أن الحسين سكن المقهى وكسب اصدقاء جدد , اشتاق لزيارته لكنه فرح لاندماج أخيه , فصار يترك له قليل من الدراهم تغطية لمصروف المقهى وشراء نسخ من الكلمات المسهمة والمتقاطعة
عندما لا يجد الجماعة يجلس متأبطا قلمه ويبدأ في الاجابة على حيل * ابو سلمى* , لم تنفع اجازة الحسين في الأدب العربي الا لتلك الاجابات , لكن مع مرور الوقت حفظ كل اسئلة *ابو سلمى* ,وصارت الكلمات المتقاطعة مجرد ملئ للخانات الفارغة , اكتشف بأن جل الكلمات المسهمة معادة ومكررة فقط.

ابلغ رشيد الحسين بأنه يريد أن يفتح محلا للنت , فاستبشر خيرا لصديقه , فساعده في تهيئة المحل المهترئ , وقاما بصباغة المحل , حتى شعر بأنه شريك لصديقه الوفي.
كان الحسين معروفا عند عائلة رشيد , وكان يدخل بيتهم كأنه واحد منهم , كانت *عمتي الزهرة* تدعو دائما له بأن يفتح الله عليه ابواب الرزق.
* اجلس يا ولدي نحطلك شواي النعمة * , هكذا كانت * عمتي الزهرة* تستقبل ابنها الثاني الحسين كل مرة ذهب ليوقظ رشيد من النوم , كان رشيد يستيقظ مرة , ويترك المفاتيح عند أمه مرة أخرى, فيطلب منها أن تبلغه بأن يفتح المحل الى حين أن يلتحق به.
كان الحسين يشعر بأنه اصبح يحقق ذاته مع هذا شبه العمل, رغم أنه لم يأخذ يوما درهما واحدا, فقد كانت المداخيل تغطي فقط فاتورة الأنترنت والكهرباء.

بدا الحسين في استكشاف عالم النت , وبدأ يستفيد من هذه الخدمة المجانية التي توفرها له الصداقة وتواجده بالمحل والسهر عليه.
تعلم كيف ينسخ المطبوعات , وكيف يكتب الطلبات , وطريقة تحميل الأغاني , وحجز مواعيد القنصليات
مع مرور الوقت صار للحسين مدخول خاص به , كان يتقاسمه مع رشيد الذي كان يرفض اي يأخذ منه أي درهم, لكن همة الحسين وصداقته الصافية برشيد جعلته يضع جزءا مما يحصل عليه في صندوق مداخيل المحل.

عند نهاية الشهر يستغرب رشيد من ارتفاع المداخيل , يفهم ما يجري , لكنه يترك الأمور على حالها بما أن الحسين يضع ما يشاء و متى شاء , فمعرفته بصديقه جعلت منه يفهم شخصيته , وبأن ما يريحه هو تركه لحاله يفعل ما يشاء و بما أن الأمور تسير بهذه السلاسة وفي نحو ايجابي فلا تعليق ولا نقاش
اكتسب الحسين خبرة عالية , فصار يصلح الحواسيب و يحلق لحيته كل صباح.
لم تكن المداخيل بالشكل الكافي , لكنه كان يدخل المنزل وفي يديه كيس كل يوم ,ارتحات أمه لوضعه الجديد, وحاولت اقناعه بالزواج.

كان الحسين يضحك عند كل مرة يسمع فيها موضوع الزواج . حاول اقناع أمه بأنها أمور لا تعدو أن تكون مجرد مداخيل ضعيفة وغير قارة , لكن الحسين كان ينتبه جيدا لوضع العائلة و المناخ الداخلي للمنزل , فمن سابع المستحيلات أن يتزوج الحسين في هذه الظروف , فلا عدد الغرف كاف , ولا مدخوله يسد مصاريف بيت الزوجية.
استمر الحال على هذا النحو لمدة ثلاثة سنين...

كان للحسين أحد الأقارب من المهاجرين في فرنسا , لم يرق هذا القريب للحسين يوما , فقد كان بخيلا ولا يعرف حتى كيف يخاطب الناس.
كان يأخذ معه الحسين للسوق ظانا بأن الباعة سيرفعون ثمن السلعة عندما يعرفون بانه *فاكانسي*, كان الحسين يخجل من التسوق معه, لكن كانت أمه دائما تدفعه لذلك وتقول له بأن لديه ثلاث بنات ربما يزوجك احداهن *ودير لوراقي* , لم يقتنع الحسين لا بكلام أمه ولا بقريبه وبناته الثلاث, لكنه كان يجبر نفسية أمه فقط
كان الحسين ينظر لقريبه نظرة خاصة , كان ينفر من رائحة عطره التي قال عنها الحسين بأنها تشبه عطر تغسيل وتجهيز الأموات. وفعلا , فقد كان لقريبه قارورة كبيرة يراها الحسين كلما دخل منزله , كان يضعها في النافذة المطلة على * الحوش * , و يغسل بها وجهه المنتفخ كلما هم بالخروج.
قررت زوجة القريب أن تشتري منزلا جديدا , وكان أول المدعوين لمساعدتهم في الرحيل الحسين, كان الصيف عند الحسين مأساة, فيترك المحل لاجابة طلبات قريبه الذي يوقظه على السابعة صباحا من كل يوم في الصيف الحار.

انتقل الجميع للمنزل الجديد فاستدعيت العائلة لحفل * دخول العتبة * , ابلى الحسين بلاءا حسنا في دفع الشلال للضيوف.
كانت الأم تتابع ابنها كأنه يقوم بفتوحات عظيمة , وتيقنت بأن الحسين دخل قلب قريبه وربما قلب أحد من بناته.
لم يعرف الحسين اي منهن , ففي يوم * الصدقة * كن في السعيدية ولم يحضرن الا للعشاء متأخرات
بعد كل هذه الغزوات , قررت الأم أن تقنع الحسين بأنها ستخطب له احداهن , حاول ثنيها عدة مرات, لكنها أشارت عليه * أولدي غي ساعف* , وفعلا فعل الحسين مغامرا باخر قصيدة حب قالها لحبيبته التي تزوجت منذ سبع سنين.

اشترت الأم * قالب سكر* , وبعض من الحلويات وتوجهت لبيت القريب عصرا , لم تجد سوى الأم وأب البنات, رحبا بها و دخلت في الموضوع مباشرة.
فرغم تغير ملامح القريب استمرت أم الحسين في كلامها وقالت لهم *جيت نخطب لكبيرة*. لقد ظنت بأن الكبرى أسهل بتقدم سنها.
كان الجواب ديبلوماسي كباقى الخطوبات* غادي نشاورو مع البنت * , وتعلقت أم الحسين بهذا الأمل
في اليوم الموالي , التقى الحسين بقريبه فأبلغه بأنها لا تريد أن تتزوج , لم يعرف الحسين حتى عن أي بنت يتكلم , شد على كتف الحسين وقال له *أولدي بنات الخاريج يديرو غي اللي فراسهم, واش غادي تجبر خير بيك*, اهتزت الأرض بالحسين , فهو مكلف الان بابلاغ والدته بالامر , احتار كيف يبدأ وكيف ينتهي.

في المساء عاد متأخرا للمنزل محاولا أن يتحاشى لقاء أمه , لكن تلك الطيبة الحنون كانت تنتظره
سألته ان كان التقى القريب , فأجاب بنعم , *ايوا كيفاش واشتا كالك*, قبل أن يجيب حاول أن يذكر أمه بأن بنات القريب *مفلسات وشافها تكمي* , حاول وضع مقدمة لكن حدق الأم سبق, فقالت له *أولدي سمحلي سحابلي باها يحكم*, فبدأ الحسين في حكي ما جرى بينه وبين قريبه لينتهي الأمر بحسرة الأم التي ظنت بأن الحسين تأثر بهذا الرد, فدخلا الاثنان في ترضية بعضهما البعض.
استأنف الحسين ما كان عليه قبل هذه الحادثة...

_________________________________________________

حصيرة 3 ~ أخيرة

استأنف الحسين ما كان عليه قبل هذه الحاثة , وكثف تواجده في محل الأنترنت , محاولا بذلك تفادي قريبه وبعض معارفه من المهاجرين في الخارج , فقد مل من اسئلتهم و مجالستهم , لقد صار يتحاشاهم ولا يرتاد مكانا يتواجدون به , رغم أن بعضهم منذ قدومه لاحفير لم يحرك سيارته الا ومعه زوجته , ولا يغادر * القنت * الا لشراء السردين أو التوقف عند المحلبة , لقد كان يشفق الحسين على بعضهم فالعطلة عندهم عباءة و * صندالة* ولترين من اللبن يوميا , وبطيخة و كثير من * لحرور* وأكبر خدمة يقومون بها هو تليبة دعوات الأعراس والمشاركة في * الكورطيج * , وتشغيل كاميراتهم بما أنها رقمية ولا تحتاج الا لشحنها , استغرب الحسين لحجم لفلاشات المجانية وتسائل عن مصير تلك الصور وماذا يفعلون بها , لم يسلمو صورة واحدة لعائلاتهم ولا قرصا مدمجا , بل فقط ليوهم نفسه ومن دعاه بأنه يقدم له خدمة , وحتى يظهر بأنه مشغول ولا يمكن أن يقوم بأي دور اخر , انه يصور دعوه , و * السخارة ديال العرس * مسكينة تنتظر من يوصلها لمنزلها , فرغم تواجد عشرات السيارات, لم تجد الا ابن الجيران يساعدها في حمل ما أخذت لأبناءها من عشاء ولو متأخر.

مر الصيف طويلا على الحسين , وبدأت رياح شتنبر في تحريك أوراق الدفاتر والكتب المستعملة بشارع الحسن الثاني, كان الحسين يمر يوميا فيتذكر سنوات الدراسة , يتذكر رائحة الطباشير في محفظته البالية, يتذكر رائحة عدس المطعم, يتذكر حتى رائحة *الحلبة* في رأس الحارسة التي كانت تطبخ بمدرسة ابي العلاء.
كل لحظة من شتنبر تذكره بأزمة الدخول المدرسي , تذكره بجمع ما تبقى من أوراق بيضاء للدفاتر القديمة وخياطتها على شكل دفتر جديد, يتذكر ملابس العيد التي كانت أمه تنهاه عن لبسها من أجل استعمالها في الدخول المدرسي , يتذكر الاستيقاظ باكرا على رائحة الخبز فوق المجمر , يتذكر أمه وهي تقلب في الشاي و تناديه بأن يأتي لأخد فطوره , يتذكر عندما كان يخرج من الاستراحة ولا يقترب من عربة كران ولا من حانوت عمي *الدوبي* رحمه الله.

يتذكر العودة مساءا للمنزل بثياب مبللة والجلوس أمام المجمر, يتذكر وهو يضع جواربه على المجمر في انتظار أن تجف.
شتنبر و ايام الدخول المدرسي تذكره بكل شئ , تذكره بعنصرية بعض رجال التعليم وكرههم لأبناء الفقراء, تذكره بيوم رفض أستاذ أن يدخله الفصل بحجة أنه يستعمل دفاتر الجزائر, ولم يجلب معه دفتر أزرق من الحجم الكبير للاجتماعيات, تذكره بورقة الدخول, تذكره بأيام سرقة اللوز من جنان *افطيمة* تذكره بعيد العرش الذي رفض أن يشارك في استعراضه, فلم يرى الحسين في اللائحة سوى ابناء الفقراء.
لكن أيضا تذكره بلحظات جميلة قضاها بثانوية النهضة, تذكره بأول تجربة حب, تذكره بتلك الفتاة *ياسمين* التي كان يتتبع خطواتها دون أن ينبس لها ولو بكلمة, تذكره ببعض الأساتذة الفضلاء الذين تركوا بصمة في حياته, تذكره بظلم الحراس العامون والادارة.
يبدأ في استرجاع كل لحظة في مساره الدراسي, من *التحضيري* الى نيل شهادة الاجازة.
لم يكن شتنبر الا محطة للتذكر , لكنه ايضا اعلان بداية شتاء بئيس للحسين, فالصيف ورغم كل ما وقع للحسين, فهو فسحة وسهر و قليل من الشاطئ.

دخل الحسين الى محل الأنترنت, بدأ في تنظيف بعض جنباته, تفقد جميع الحواسيب, ثم بدأ في طباعة بعض الطلبات في انتظار أن يأتي اصحابها.
في لحظة انشغاله, دخلت امرأة ومعها طفلة, القت عليه التحية فرد بأجمل منها, جلست على أحد الحواسيب, فبدأ الحسين في النظر الى هذا الوجه الجميل والهادئ, بدأت هي الأخرى في طرح اسئلة من يكون هذا الشخص؟ لقد سبق وأن رأته, دخل الحسين في طرح نفس الاسئلة, هذا الوجه ليس غريب علي, لعن الشيطان واستأنف عمله, الا أن الأسئلة لاحقته في كل أمر يقوم به, كانت المرأة تظهر بأنها غير مكترثة بالنظر اليه, لكنها تعود لتتبع خطواته كلما قام من مكانه علها تجد مفتاح تتعرف به عليه فهي متيقنة بأنها رأته سابقا, اين وكيف ومتى؟ لا اجابة الا مزيد من الحيرة والدهشة.

رن هاتف الحسين, فرد الحسين بهدوء *واه الحسين هذا رشيد راه عاد ناعس بلاتي تلقاه هنا*, تلقفت المرأة اسم الحسين ورجعت بها ذاركتها الى الوراء, لم يكن سوى ذاك العاشق الصامت, انه الحسين بذاته, فنظرت اليه مباشرة, وحاولت ازالة الشيب الذي اعتلا رأسه فرأت فيه نفس الحسين الذي تعرفه, كان الحسين ينهي مكالمته واستغلتها فرصة للتمعن فيه كما كان يفعل أيام الدراسة
أنهت المرأة ما جاءت من أجله, ووقفت لدفع ما عليها فسألته بكل جرأة *ماشي أنت الحسين اللي قريت معايا عند السي عمرو الوشاني*, أعاد الحسين ذاكرته بسرعة للوراء فوجد أجوبة لأسئلة كانت في باله, *انت هي ياسمين*, فابتسم الاثنان ابتسامة أعادتهما لتلك الأيام الجميلة.
تبادلا أطراف الحديث ليعرف بأن الطفلة بنت ياسمين, وبأنها تزوجت منذ خمس سنين وذهبت لفرنسا, الى أن زوجها توفي السنة الماضية في حادثة سير *بين لجراف* وهو عائد ليلا من السعيدية, تأسف لها الحسين لكن ياسمين كانت مبسوطة برؤيته.

عادت لوحدها في اليوم الموالي, وكأن الحسين كان متيقنا من عودتها, جلست على نفس الحاسوب المقابل للحسين وبدأت تتحدث معه, لم تلمس الحاسوب ولو لمرة, تذكرا كل تلك الذكريات, وانتهى بها الأمر الى أن طلبت عنوان البريد الالكتروني للحسين ورقم هاتفه, فهي ستغادر غدا لفرنسا وطلبت منه أن يبقيان على اتصال.
لم يظن الحسين أن الأمر سيستمر بعد مغادرتها, بل اعتبرها لحظة عابرة.
بعد مرور بعض الاسابيع, رن هاتف الحسين, لم تكن سوى ياسمين *السلام أبوراص مالو داك ام اس ان ديالك عمرو ما تحل*, لقد كانت تنتظر دخوله في اي لحظة منذ مغادرتها لأحفير, الى أن قررت الاتصال به ومعرفة سبب غيابه.

طلب منها أن تنتظر قليلا ففتح المسنجر ليجد بأنه لم يضفها للقائمة رغم توصله بطلبها.
بدأ الاثنان في تبادل أطراف الحديث وطلب منها الاكتفاء بالكتابة لأن المحل وتواجد الناس به لا يساعد على استعمال الصوت, كانت مجرد ذريعة لأن الحسين لم يكن يملك من الجرأة والشجاعة ما يجعله يدخل مع ياسمين في الموضوع.
كانت الكتابة تساعد الحسين كثيرا, وكانت هذه الوسيطة خير وسيلة من أجل أن تعرف ياسمين الحسين عن قرب.
دام الأمر ستة أشهر أو يزيد, كل يوم يتحدثان الى أن وجدا بأن ثمرة ذلك الحب العذري الذي زرعاه في عيني بعضها البعض بدأت تنبت من جديد
استمر الحال على ما هو عليه الى أن اقترب الصيف.

وفي تلك الفترة اجتاز الحسين مباراة للولوج الى أحد الوظائف فتمكن من النجاح, كانت ياسمين فرحة له, لكن بدأ الخوف يعتريها بـأن الحسين سيتغير وسينسى وعدا بالزواج وعدها به, فظنت بأن الحسين ربما يفضل البقاء في المغرب و لا يلتحق بها.
لم تأتي ياسمين ذاك الصيف, وانتظرت بأن تتضح الرؤيا جيدا, كان الحسين حينها في مركز التدريب
وبعد تخرجه مباشرة تم تعيينه في فاس, التحق الحسين بمقر عمله, وسط فرح العائلة والأحباب, لكن الحسين لم ينسى ياسمين, فقد ظلا يتحدثان كل يوم وليلة.
اشتغل الحسين عاما كاملا, وفي احدى العطل المدرسية الشتوية جاءت ياسمين مع ابنتها, وبعد ثلاثة ايام من قدومها وجدت عائلة الحسين في *بيت ضياف*, لقد جاءوا لخطوبة ياسمين, لم يخبرها الحسين بهذا الموعد. لكن اتصل بها هاتفيا وقال لها: لا تفكري ان كنت سأبقى في المغرب أو ألتحق بك, فالحسين يريدك أنت والبقية بيد الله.

عبد الواحد مزويرح / الداعي الى نظرية *گاع تسلك* والحمد لله
يوم 13 يونيو 2013
طابت ليلتكم




311 قراءة

الحسين و الفاكانسية/ قصة شاب من أحفير | ..
حصيرة 1 * تنبيه: - هذه القصة و أبطالها واقعية في معاني أحداثها , وأي تطابق ..
باحفير..


فاجعة الطفلة هبة والمبدعة النرويجية لين..
تستلهم الفنانة النرويجية لين كيلده من معاناة الأطفال.. ينعكس ذلك جليا في إبداعات..
عبدالحليــم ..


الشيخ إمام : فاليري جيسكار ديستان..
فاليري جيسكار ديستان والست بتاعه كمان ح يجيب الديب من ديله ويشبع كل جعان يا ..
الشيخ إمام..


أمل دنقل : « لا تصالح »..
- نبذة عن الشــاعر أمل دنــقل : ولد في عام 1940 بقرية "القلعة"، مركز "قفط" ؛ ..
أمل دنقل..


قصص من التاريخ ..
نكت وقصص السلطة - اجمل واغرب القصص والروايات من التاريخ |روائع نزيه الاحدب|فوق ا..
نزيه الأحدب..


التسامح بين الأخذ والعطاء وفلسفةالابتلاء..
في زحمة المواصلات الباريسية صباح يوم الجمعة 22 مارس 2019 للميلاد تسلق الشاب بصعو..
محمد حراك..


Transes chromatiques..
Entre deux rives Un roseau orphelin Rhizome enseveli Feuilles en berne Entre..
عبدالحليــم ..




التعليقات خاصة بالمسجلين في الموقع، تفضل بالتسجيل إن كنت ترغب في ذلك

تـسـجـيـل

إسم الدخول  
كلمة السـر  




© 2020 - ahfir.eu
ici.ahfir@gmail.com

حقوق النشر محفوظة : يجب احترام حقوق الطبع والنشر. إتصـل بالمـوقع قبـل نسخ مقـال, صـورة أو شـريط
المقالات و التعليقات تعبر عن آراء أصحابها و ليست أحفـــير أوروبــا مسؤولة عن مضامينها

شـروط إستخدام الموقع